الرئيسية / أخبار وطنية / أحداث ذكرى 26 جانفي 1978 : ذاكرة مهربة من دفاتر نظام بورقيبة و بن علي

أحداث ذكرى 26 جانفي 1978 : ذاكرة مهربة من دفاتر نظام بورقيبة و بن علي

هذا اليوم الذي يُطلق عليه البعض “الخميس الأسود” تَحوّل من إضراب عام أعلنته قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى حالة شعبية رافضة لسياسات الحكم وخياراته.رغم إنقضاء 38 سنة على الأحداث، فإن الفصول الكاملة للرواية مازالت مَقبورة في الدفاتر السّرية لنظام بورقيبة. و لكن الذاكرة الشعبية والنقابية أفلتت من المعتقلات ومن مَخافر البوليس لتروي -في شهادات وبيانات مُوثقة- عذابات جيل من التونسيين أسقطتهم رصاصات الشرطة والعسكر وتعرّضوا للاعتقال، وتم إقتيادهم إلى محكمة أمن الدولة، وبعضهم لقِي حتفه تحت التعذيب.الإتحاد وسياسة فك الإرتباط
إتصفت الأوضاع الإجتماعية والسياسية أواخر السبعينات بالتدهور الذي بلغ ذروته عند إنفجار الأزمة بين الإتحاد العام التونسي للشغل وحكومة الهادي نويرة، وقد بدأت ملامح فك الإرتباط بين منظمة الشغالين والحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم تتجلى بوضوح من خلال تصاعد وتيرة الإضرابات العمالية سنة 1977 من بينها المسيرة التي نظمها الإتحاد الجهوي للشغل بصفاقس يوم 9 سبتمبر وإضراب عمال شركة « سوجيتاكس » بقصر هلال يوم 10 أكتوبر وإضراب عمال وموظفي وزارة الفلاحة في 6 جانفي 1977. وقد تُوِّج هذا المسار بإستقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الحبيب عاشور من اللجنة المركزية والديوان السياسي للحزب الإشتراكي الدستوري، وهو ما أذِن بإنتهاء الإرتباط العضوي بين الإتحاد والحزب الحاكم التي بدأت منذ مؤتمر صفاقس في 15 نوفمبر 1955 .وقد تصاعدت وتيرة الأزمة بين الإتحاد العام التونسي للشغل والحكومة عند إنعقاد الهيئة الإدارية للإتحاد بتاريخ 22 جانفي 1978، إذ إنتقد بلاغ الهيئة سياسات الحكومة وتوصيات اللجنة المركزية للحزب الإشتراكي الدستوري مشيرا إلى أنها “تدل على تغلّب نزعة التصلب الهادفة إلى إعطاء صبغة قانونية لسياسة دكتاتورية قائمة على العنف والترهيب”. وقد إنتهت الهيئة الإدارية بإعلان الإضراب العام بصفة إنذارية في كامل البلاد وأوكلت للمكتب التنفيذي أمر تحديد تاريخه ومدّته وتراتيبه، ليُعلِن هذا الأخير بعدها بيومين أن الخميس 26 جانفي 1978 سيكون تاريخ الإضراب العام.النظام يقرر المواجهة الدموية
إن التحويرات الأمنية التي أجراها نظام بورقيبة قبل الأحداث -والتي يصفها البعض بعَسكرة وزارة الداخلية- كانت تدل على أن المواجهة ستأخذ طابعا دمويا، حيث تمت إقالة وزير الداخلية الطاهر بلخوجة المعروف بميله للحوار وتم تعويضه بعبد الله فرحات وزير الدفاع المعروف بالتصلب، ثم جِيءَ بالضاوي حنابلية وزيرا للداخلية يوم 26 ديسمبر 1977، وقد إستمر على رأس الوزارة أثناء الأحداث وبعدها.ولعل رجل النظام الجديد الذي لفت إنتباه الجميع آنذاك هو الكولونيل زين العابدين بن علي، رئيس تونس الأسبق، الذي تم إستقدامه في تلك الفترة من المؤسسة العسكرية وعُيِّن مديرا للأمن الوطني عوضا عن عبد المجيد بن سلامة، وقد كان بن علي واحدا من المقربين لوزير الدفاع عبدالله فرحات الذي إقترح تعيينه في هذا المنصب لأنه يدرك جاهزيته لإدارة الأزمة بإستخدام أقصى أشكال التدخل الأمني.أعلن النظام المواجهة الدموية عندما شرع في محاصرة مقرات الإتحاد العام التونسي للشغل ليلة 26 جانفي 1978 بالإستعانة بوحدات من الأمن والجيش المنتشر في المدن ومجموعات تابعة للحزب الحاكم كان يطلق عليها النقابيون آنذاك “مليشيات الصّياح” نسبة لمحمد الصّياح مدير الحزب الإشتراكي الدستوري، وقد تواصل هذا الحصار إلى صبيحة 26 جانفي حيث شهدت دور الإتحاد مساندة عمالية وشعبية واسعة.تشير المعطيات آنذاك إلى أن المركزية النقابية أعطت التعليمات للنقابيين بملازمة بيوتهم حتى لا يتم توريطهم في أعمال الحرق والتخريب التي يعد لها الحزب الحاكم. ولكن يبدو أن المشاركة الشعبية فاقت كل التوقعات حيث شهدت شوارع العاصمة مسيرات شارك فيها العديد من النقابيين والعمال والطلاب والمعطلين، وإتسعت رقعة الإضراب العام لتشمل كل جهات البلاد على غرار سوسة وصفاقس والقيروان وقابس وسليانة وتوزر والقصرين وزرمدين، الأمر الذي يشير إلى أن هذا الحراك تحوّل إلى حالة شعبية عامة رافضة للسياسات الحكومية وليس مجرد خلاف داخلي بين قادة الإتحاد مثلما تروّج إلى ذلك حكومة الهادي نويرة.و لعلّ هذه المشاركة الشعبية أربكت النظام وجَعلَته يمضي في خيار المواجهة الدموية بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين لَيسقط بذلك المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى. وفي هذا السياق تؤكد المصادر النقابية أن عدد الشهداء فاق الـ400، بينما إكتفت السلطة آنذاك بذكر رقم يشير إلى 52 قتيل و365 جريح أذاعته عبر الصحف ونشرات الأخبار المرئية والمسموعة.نقابيون في المعتقلات وأمام المحاكم
شن النظام حملة إيقافات واسعة بدأت باعتقال معظم أعضاء المكتب التنفيذي باستثناء التيجاني عبيد الذي تبرّأ من مشاركته في الإضراب العام وقدّم استقالته من المكتب التنفيذي قبل إندلاع الأحداث، وقد قامت السلطة بتنصيبه بعد شهر أمينا عاما للاتحاد العام التونسي للشغل إثر إعتقال القيادة الشرعية، وذلك في مؤتمر شارك فيه الوزير الأول الهادي نويرة وعُرف بـ”المؤتمر 15 خارق للعادة”.وقد أكدت الشهادات التي أدلى بها النقابيون المعتقلون أنهم تعرضوا للتعذيب في أقبية وزارة الداخلية وقد لقي البعض حتفهم تحت التعذيب على غرار حسين الكوكي مؤسس للنقابة الجهوية للبنوك وشركات التأمين بسوسة، أو من جراء التعذيب على غرار سعيد قاقي الكاتب العام للجامعة العامة للمعاش والسياحة. وتمت إحالة 30 من القيادات النقابية على محكمة أمن الدولة وهم أعضاء المكتب التنفيذي والكتاب العامين للإتحادات الجهوية والكتاب العامين للجامعات والنقابات العامة والأساسية وقد بلغت الحكام الصادرة ضد هؤلاء عشر سنوات أشغال شاقة على غرار الأمين العام حبيب عاشور وعضو المكتب التنفيذي عبد الرزاق غربال، في حين تمت مقاضاة المئات من النقابيين الآخرين أمام المحاكم العادية. وفي هذا السياق أشارت جريدة “لوموند” الفرنسية إلى أن هناك ثلاثة آلاف شخص تمت مقاضاتهم بتهمة المشاركة في أحداث 26 جانفي 1978. حملة إعلامية ضد الإتحاد
إن النبش في دفاتر 26 جانفي 1978 يقود إلى الإصطدام بالحملة الدعائية المسعورة التي شنّها نظام بورقيبة على النقابيين وقادة الإتحاد العام التونسي للشغل، والتي أثبت التاريخ في فترات لاحقة زيفها وتهافتها، ومازالت الوقائع السياسية تشير إلى اليوم تكرر مثل هذه الحملات كلما شهدت البلاد حراكا شعبيا واسعا. تصدّرت هذه الحملة صحف السلطة على غرار “العمل” و”الصباح”، وعبّرت عنها النشرات التلفزيّة والإذاعية، وقد كان النقابيون يُتَّهمون بإثارة الهرج والتخريب والقتل والتآمر على أمن الدولة مع جهات خارجية وإختراق الوحدة القومية الصمّاء، وقد بلغ الأمر حد إتهامهم بصنع الأسلحة وتجميعها في دور الاتحاد. وقد كانت هذه الحملة تهدف إلى تعبئة الرأي العام ضد النقابيين وعزلهم عن الحركة الشعبية من خلال إظهارهم بصورة المارقين عن القانون، وقد أستُعملت هذه الدعاية لتلفيق التهم الجنائية للنقابيين الذين وقع إعتقالهم دون وجود مستندات إدانة. ورغم إنقضاء 38 سنة على هذه الأحداث فإن الكثير من الحقائق ظلت محجوبة ومازال الكثير من رجال ذلك العهد المشاركين في قرارات الدم والرصاص ينظرون إلى الأحداث بنفس المنظار القديم على غرار محمد الصياح المدير السابق للحزب الاشتراكي الدستوري الذي قال في آخر تصريحاته حول الأحداث : وإذا عدنا لأحداث 1978 لابد أن نشير إلى أن الهادي نويرة كان أفضل مسؤول أقام علاقات مع الطبقة الشغيلة وحققنا معه عدة مكاسب…وإن ما حدث هو فتنة

شاهد أيضاً

وزارة الصحة .. درجة مخاطر إنتقال كورونا من الخارج مرتفعة

إعتبرت المديرة العامة للمرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة نصاف بن علية، اليوم السبت، أن درجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!